الشيخ محمد رشيد رضا
656
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فهذا الموجود الساري في جميع الكائنات الرابط لبعضها ببعض كما يجزم به علماء الكون نظرا واستدلالا قد لطف عن ادراك العيون وعن تصرف أيدي الكيماويين الذين يرجعون الماء والهواء وغيرهما من المركبات إلى بسائطها اللطيفة التي لا ترى ، ويتصرفون فيها أنواعا من التصرف ، ويستعملونها في كثير من المضار والمنافع ، ويرى بعض المثبتين لاستقلال الأرواح البشرية وقدرتها على التشكل في الأشباح اللطيفة والكثيفة انها تستعين على هذا التشكل بالأثير ، فألطف شبح تتجلى به يتخذ من الأثير المكثف بعض التكثيف ، بحيث تدركه الابصار ، ولا يمنعه ذلك من النفوذ في كثائف الاجرام ، كما ينفذ الأثير بالنور من الزجاج ، وبغير النور من جميع الاجرام ، وقد تأخذ شبحا لها من جسم بشر بينها وبينه تناسب كمستحضري الأرواح ، فإذا خلعت الروح هذا الثوب امتنعت رؤيتها لتناهي لطافتها . وإذا كان كل موجود في كل رتبة من رتب الوجود وكل صفة من صفات تلك الرتب قد استفاد وجوده وصفاته من الخالق الحكيم ، وكان اللطف من تلك الصفات التي أشرنا إلى تفاوتها العظيم ، فلا بد أن يكون لطفه تعالى أدق وأخفى من لطفها ، وإذا كان لطف بعضها لا يستلزم الجسمية اللغوية ولا العرفية فلطفه عز وجل أجدر بذلك وأحق ، فعلماؤنا كافة والروحيون من علماء الإفرنج وغيرهم الذين يقولون - كما نقول الصوفية - بتجلي أرواح الموتى في صور متفاوتة في اللطف وبتجرد بعض أرواح الاحياء وظهورها في أشباح لطيفة أخرى والروحيون المنكرون منهم لذلك - كلهم متفقون على أن الروح لم يعرف كنهها ، وانها ألطف وأخفى من الأثير ومن البسائط المادية بأسرها وهي مع ذلك عاقلة متصرفة ، والماديون يقولون إن مادة الكون الأولى التي ظهرت فيها صور جميع العناصر ومركباتها لا يعرف لها كنه ، ولا يدركها طرف ، ولا يوضع لها حد ، وانها في منتهى اللطف ، وهي أزلية أبدية ، - فجميع العلماء من روحيين وماديين متفقون على أن لطف ذات الشيء لا يستلزم التركيب ولا الحد ولا التحيز . فلطف ذات الخالق ، أولى بتنزهه عن ذلك . وانما فر المتكلمون من هذه اللوازم حتى لجأ بعضهم إلى التعطيل وبعضهم إلى التأويل لأكثر ما وصف اللّه تعالى به نفسه في كتبه وما ذاك الا من قياس الغائب على الحاضر ،